الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )

89

بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة

خرجت عنكم . فقالوا : أنصفت فأمهلنا . فأقبلوا يتعبّدون ثلاثة أيّام ويتمسّحون بالأصنام ويذبحون لها ، وأخرجوها إلى سفح الجبل وأقبلوا يتضرّعون إليها ، فلمّا كان اليوم الثالث قال لهم صالح عليه السّلام : قد طال هذا الأمر . فقالوا له : سل من شئت . فدنا إلى أكبر صنم لهم ، فقال : ما اسمك فلم يجبه . فقال لهم : ما له لا يجيبني قالوا له : تنحّ عنه . فتنحّى عنه وأقبلوا إليه ووضعوا على رؤوسهم التراب وضجّوا ، وقالوا : فضحتنا ونكست رؤوسنا . وقال صالح : قد ذهب النّهار . فقالوا : سله . فدنا منه ، فكلمّه فلم يجبه ، فبكوا وتضرّعوا حتّى فعلوا ذلك ثلاث مرّات ، فلم يجبهم بشيء ، فقالوا : إنّ هذا لا يجيبك ، ولكنّا نسأل إلهك . فقال لهم : سلوا ما شئتم . فقالوا : سله أن يخرج لنا من هذا الجبل ناقة حمراء شقراء عشراء - أي : حاملة - تضرب بمنكبيها طرفي الجبلين ، وتلقي فصيلها من ساعتها ، وتدرّ لبنها . فقال صالح : إنّ الذي سألتموني عندي عظيم ، وعند اللّه هيّن . فقام وصلّى ركعتين ، ثم سجد وتضرّع إلى اللّه ، فما رفع رأسه حتّى تصدّع الجبل وسمعوا له دويّا شديدا ، ففزعوا منه وكادوا أن يموتوا منه ، فطلع رأس الناقة وهي تجترّ ، فلمّا خرجت ألقت فصيلها ودرّت لبنها ، فبهتوا وقالوا : قد علمنا يا صالح أنّ ربّك أعزّ وأقدر من آلهتنا التي نعبدها . وكان لقريتهم ماء ، وهي الحجر التي ذكرها اللّه تعالى في كتابه ، وهو قوله : وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ ( 1 ) . فقال لهم صالح : لهذه الناقة شرب . أي : تشرب ماءكم يوما ، وتدرّ لبنها عليكم يوما ، وهو قوله تعالى : . . . لَها شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ . وَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ ( 2 ) ، فكانت تشرب ماءهم يوما ، وإذا كان من الغد وقفت وسط

--> ( 1 ) الحجر : 80 . ( 2 ) الشعراء : 155 - 156 .